![]()
لم يعد تمكين المرأة القروية مجرد شعار مرتبط بالتنمية البشرية، بل أصبح رهانا أساسيا لتوسيع فرص الشغل وتحريك الاقتصاد المحلي وتعزيز استقلالية النساء. وفي هذا السياق، احتضنت عمالة إقليم الفقيه بن صالح لقاء تحسيسيا بمناسبة اليوم العالمي للمرأة القروية، خُصص لمناقشة سبل مواكبة النساء في الوسط القروي وتيسير اندماجهن في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
وجاء اللقاء، الذي نظمته اللجنة الإقليمية للتنمية البشرية تحت شعار «مواكبة النساء القرويات: رافعة للإدماج والتمكين»، ليؤكد أن الاعتراف بمساهمة المرأة القروية في التنمية ينبغي أن يواكبه دعم عملي يتيح لها تطوير مشاريعها، وتعزيز حضورها في النسيج التعاوني، والاستفادة من فرص الاقتصاد الاجتماعي والتضامني.
التعاونيات النسائية.. إمكانات واعدة وحضور محدود
سلط اللقاء الضوء على أهمية المواكبة والتأطير في مساعدة النساء القرويات على الانتقال من المبادرات الفردية إلى مشاريع منظمة وقادرة على الاستمرار. فالتعاونيات تمثل إحدى الآليات التي يمكن أن تتيح للنساء تجميع جهودهن، وتثمين منتجاتهن، وتوسيع فرص التسويق وتحقيق دخل أكثر استقرارا.
وفي هذا الإطار، أوضح نبيل بوشو، رئيس قسم العمل الاجتماعي بعمالة إقليم الفقيه بن صالح، أن اختيار شعار هذه السنة يعكس أهمية الانتقال من مجرد الاعتراف بأدوار المرأة القروية إلى توفير مواكبة فعلية ومستدامة تدعم مبادراتها المقاولاتية.
غير أن الأرقام تكشف عن تحدٍّ واضح؛ إذ لا تمثل التعاونيات النسائية سوى نحو 10 في المائة من مجموع التعاونيات بالإقليم. وهو ما يبرز الحاجة إلى تكثيف برامج التأطير والتكوين، وتسهيل الولوج إلى فرص التمويل والتسويق، حتى تتمكن النساء من توسيع مشاركتهن في الدورة الاقتصادية المحلية.
أرقام تكشف واقع التعاونيات النسائية بالجهة
تضم جهة بني ملال-خنيفرة، وفق المعطيات المقدمة خلال اللقاء، ما مجموعه 5140 تعاونية خلال سنة 2025، بلغ عدد المنخرطين فيها 83 ألفا و944 شخصا.
ومن بين هذه التعاونيات، توجد 576 تعاونية نسائية تضم 5092 منخرطة، وتتركز أنشطتها أساسا في الصناعة التقليدية، التي تستحوذ على 55 في المائة، والفلاحة بنسبة 32 في المائة.
وتؤكد هذه المعطيات أهمية القطاعين في توفير فرص اقتصادية للنساء، بالنظر إلى ارتباطهما بالمهارات المحلية والموارد المتاحة في الوسط القروي. كما تبرز إمكانية تطوير هذه الأنشطة من خلال تحسين جودة المنتجات، وتثمينها، ومساعدتها على الوصول إلى أسواق أوسع.
الفقيه بن صالح.. قاعدة تعاونية مهمة تحتاج إلى توسيع مشاركة النساء
على مستوى إقليم الفقيه بن صالح، يصل عدد التعاونيات إلى 808 تعاونيات، أي ما يعادل 16 في المائة من مجموع تعاونيات الجهة، وتضم 23 ألفا و153 منخرطا.
ورغم هذا الحضور التعاوني، لا يتجاوز عدد التعاونيات التي تقتصر عضويتها على النساء 82 تعاونية، تضم نحو 572 منخرطة فاعلة في التنمية المحلية.
وتكشف هذه الأرقام عن مفارقة تستحق الاهتمام: فالإقليم يتوفر على نسيج تعاوني مهم، لكن استفادة النساء من هذا الإطار لا تزال محدودة نسبيا. ومن هنا تبرز أهمية الانتقال إلى برامج أكثر قربا من احتياجات النساء القرويات، تراعي خصوصيات مجالات عيشهن، وتساعدهن على تجاوز الصعوبات المرتبطة بالتكوين والتمويل والتدبير والتسويق.
تنسيق المؤسسات.. خطوة نحو حلول مستدامة
عرف اللقاء مشاركة ممثلين عن عدد من المؤسسات والقطاعات الشريكة، من بينها مكتب تنمية التعاون، ووكالة التنمية الاجتماعية، والتعاون الوطني، والمكتب الوطني للاستشارة الفلاحية، إلى جانب قطاع الصحة والحماية الاجتماعية.
وشدد المشاركون على ضرورة تعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين، وتوحيد الجهود من أجل بلورة مبادرات عملية تستجيب للاحتياجات الفعلية للنساء القرويات، وتضمن استمرارية المشاريع التي تستهدف تمكينهن اقتصاديا واجتماعيا.
ولا تقتصر المواكبة المطلوبة على إحداث التعاونيات فحسب، بل تشمل أيضا دعمها بعد التأسيس، وتطوير مهارات التدبير، وتحسين فرص تسويق المنتجات، وربط المبادرات المحلية بمسارات اقتصادية قادرة على خلق قيمة مضافة وفرص شغل مستدامة.
تمكين المرأة القروية.. استثمار في تنمية المجتمع
إن توسيع مشاركة المرأة القروية في الاقتصاد ليس مكسبا فرديا فحسب، بل هو استثمار في الأسرة والمجتمع المحلي، لما يمكن أن يحققه من تحسين للدخل وتعزيز للاستقلالية وتثمين للمهارات والخبرات المتوارثة.
وبين المؤهلات التي تزخر بها جهة بني ملال-خنيفرة والتحديات التي تعكسها الأرقام، يبقى الرهان الأساسي هو تحويل المبادرات التحسيسية إلى برامج ملموسة تفتح أمام النساء آفاقا أوسع للمشاركة والإنتاج والابتكار.
فحين تجد المرأة القروية التأطير والفرصة والدعم اللازم، تصبح مساهمتها في التنمية أكثر قوة واستدامة، ويغدو تمكينها خطوة عملية نحو مجتمع أكثر إنصافا وتوازنا.











