![]()
تتحول مدينة وجدة، مع انطلاق الدورة السادسة لمعرض الكتاب «آداب مغاربية»، إلى فضاء مفتوح للحوار الثقافي وتلاقح الأفكار، حيث يلتقي الكتاب والمفكرون والمبدعون من مختلف القارات لمناقشة قضايا الثقافة والهوية والهجرة والترجمة ومستقبل الكتاب في عصر الذكاء الاصطناعي.
وانطلقت فعاليات هذه التظاهرة، مساء الثلاثاء بساحة الملعب الشرفي، بمبادرة من وكالة تنمية جهة الشرق، تحت شعار «لنبدع عالماً مشتركاً»، في دورة تراهن على توسيع الحضور الدولي للمعرض، وترسيخ مكانة الثقافة باعتبارها جسراً للتواصل بين الشعوب ورافعة للتنمية المحلية.
أكثر من 100 مفكر وأديب في موعد ثقافي دولي
شهد حفل الافتتاح حضور والي جهة الشرق عامل عمالة وجدة-أنجاد، امحمد عطفاوي، إلى جانب منتخبين ومسؤولين ومثقفين وكتاب ومبدعين مغاربة وأجانب.
وتنظم هذه الدورة بشراكة مع وزارة الشباب والثقافة والرياضة، ممثلة في قطاع الثقافة، وولاية جهة الشرق ومجلس الجهة وجامعة محمد الأول والأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين، فضلاً عن المؤسسة المغربية للنهوض بالتعليم الأولي.
واستهلت التظاهرة فقراتها بلوحات فنية وقراءات شعرية احتفت بجمالية الكلمة وقدرة الفن على تقريب المسافات بين الثقافات، في أجواء أكدت أن الكتاب يظل مساحة مشتركة لتبادل التجارب وطرح الأسئلة التي تشغل المجتمعات المعاصرة.
وأوضح رئيس المعرض، محمد امباركي، أن «آداب مغاربية» استطاع أن يرسخ حضوره باعتباره موعداً ثقافياً ذا إشعاع دولي، مشيراً إلى أن الرهان الأساسي يتمثل في جعل الثقافة عنصراً فاعلاً في التنمية الترابية، وأداة لبناء فضاء مشترك قائم على الحوار والانفتاح.
وأضاف أن الكتاب يظل شاهداً على التحولات التي يعرفها العالم ووسيلة لنقل المعرفة بين الأجيال، بما يتيح تجاوز الأفكار الجاهزة والانخراط في نقاشات عميقة حول قضايا الإنسان والمجتمع.
23 مائدة مستديرة تناقش أسئلة الثقافة والمستقبل
تتميز الدورة السادسة ببرنامج فكري متنوع يتضمن 23 مائدة مستديرة، تتناول قضايا ثقافية وأدبية وإنسانية راهنة، من بينها الرهانات الثقافية لبناء المغرب الكبير، ودور الترجمة في تقريب الشعوب، وتحولات الرواية والشعر في إفريقيا، فضلاً عن قضايا الهجرة والتنقلات البشرية.
كما يخصص المعرض حيزاً للنقاش حول تأثير الذكاء الاصطناعي في صناعة الكتاب، وهو موضوع يكتسب أهمية متزايدة في ظل التحولات الرقمية التي تعرفها مجالات التأليف والنشر والتوزيع.
وتتيح هذه المحاور فرصة لتبادل وجهات النظر بين المشاركين، واستكشاف سبل تطوير المشهد الثقافي، مع الحفاظ على دور الإبداع الإنساني في إنتاج المعرفة وصون التنوع اللغوي والثقافي.
ومن جانبه، أكد المدير الجهوي للثقافة بجهة الشرق، عبد القادر عيساوي، أن المعرض يشكل امتداداً للدينامية الثقافية التي تعرفها المنطقة، مبرزاً أن هذه الدورة تشهد تطوراً على مستوى التنظيم والمضمون، مع انفتاح أكبر على المشاركات الدولية.
فضاءات للكتاب والشباب والأطفال
يمتد المعرض على مساحة تناهز خمسة آلاف متر مربع، تضم أروقة لدور النشر ومؤسسات عمومية، إلى جانب فضاءات مخصصة للشباب والأطفال، وقاعات للندوات ومقهى أدبي يتيح للزوار لقاء الكتاب ومناقشة إصداراتهم.
وتعكس هذه البنية رغبة المنظمين في جعل المعرض أكثر من مجرد فضاء لعرض الكتب؛ إذ يسعى إلى تقريب القراءة من مختلف الفئات العمرية، وتحويلها إلى تجربة ثقافية تفاعلية تجمع بين الاطلاع والحوار والمشاركة.
وفي هذا السياق، أوضح الكبير حنو، مدير قطب التنمية بوكالة تنمية جهة الشرق، أن اختيار شعار «لنبدع عالماً مشتركاً» يستجيب للحاجة إلى فتح نقاش بناء بشأن قيم التعايش والتآخي، في ظل التحديات التي تواجه المجتمعات عبر العالم.
وأشار إلى أن هذه الدورة تستضيف أكثر من مئة مفكر وأديب من إفريقيا وأوروبا والأمريكتين وآسيا، فضلاً عن تلقي المنظمين طلبات من كتاب أجانب للمشاركة في توقيع إصداراتهم، بما يعكس اتساع دائرة الاهتمام الدولي بهذه التظاهرة.
الثقافة خارج أسوار المعرض
لا تتوقف أنشطة «آداب مغاربية» عند فضاء ساحة الملعب الشرفي، بل تمتد إلى مؤسسات تعليمية وثقافية واجتماعية، من خلال تنظيم محاضرات ولقاءات فنية وورشات تفاعلية بجامعة محمد الأول وثانوية عمر بن عبد العزيز والمؤسسة السجنية المحلية بوجدة.
كما يتضمن البرنامج معرضاً للفنون التشكيلية بمشاركة فنانين من جهة الشرق، في مبادرة تفتح المجال أمام التعبيرات الفنية المحلية للتواصل مع جمهور أوسع.
ويعكس هذا الانفتاح توجهاً نحو جعل الثقافة أكثر قرباً من المواطنين، وإيصال أنشطتها إلى فضاءات متعددة، بما يوسع فرص المشاركة ويمنح الكتاب والفن دوراً أكبر في الحياة اليومية.
وجدة.. الثقافة رافعة للإشعاع والتنمية
تتواصل فعاليات الدورة السادسة لمعرض «آداب مغاربية» إلى غاية فاتح نونبر المقبل، وسط طموح إلى تعزيز موقع وجدة ضمن خريطة المواعيد الثقافية بالمغرب، وتوسيع جسور التواصل بين المبدعين من مختلف البلدان.
ولا تكمن أهمية هذه التظاهرة في عدد المشاركين أو تنوع برنامجها فحسب، بل أيضاً في قدرتها على تحويل الاختلاف الثقافي إلى فرصة للتعارف والتفاهم، وإبراز دور الكتاب في طرح الأسئلة الكبرى ومناقشة التحولات التي يعيشها العالم.
فحين تلتقي الأفكار وتتقاطع التجارب، تصبح الثقافة مجالاً لبناء الثقة واكتشاف المشترك الإنساني. ومن وجدة، يحمل معرض «آداب مغاربية» رسالة مفادها أن القراءة والإبداع والحوار تظل من الأدوات الأساسية لبناء مستقبل أكثر انفتاحاً وتعايشاً.











