الصويرة تختتم مهرجان الأندلسيات الأطلسية على إيقاع كناوة والبيوط.. الموسيقى المغربية تجمع روافد ثقافية متعددة

بنونة فيصلمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
الصويرة تختتم مهرجان الأندلسيات الأطلسية على إيقاع كناوة والبيوط.. الموسيقى المغربية تجمع روافد ثقافية متعددة

Loading

الدورة الـ21 تقدم عرضاً فنياً استثنائياً يمزج التراث اليهودي المغربي بإيقاعات كناوة، ويجدد رسالة المدينة في ترسيخ الحوار والتعايش بين الثقافات

أسدل مهرجان الأندلسيات الأطلسية بالصويرة، مساء السبت فاتح نونبر 2026، الستار على دورته الحادية والعشرين، بسهرة موسيقية استثنائية جمعت الفنانة هند النعيرة بفرقة «هابيوت»، في لقاء فني مزج بين إيقاعات كناوة وأناشيد «البيوط» المغربي، مقدماً للجمهور تجربة تحتفي بتعدد روافد الهوية الموسيقية المغربية.

وشكل هذا العرض، الذي امتد لنحو ساعة ونصف، إحدى أبرز لحظات المهرجان، بحضور مستشار صاحب الجلالة والرئيس المؤسس لجمعية الصويرة موكادور، أندري أزولاي، إلى جانب شخصيات من الأوساط الدبلوماسية والثقافية والفنية المغربية والأجنبية.

كناوة والبيوط.. حوار موسيقي يستحضر الذاكرة المغربية

لم يكن هذا اللقاء مجرد عرض موسيقي مشترك، بل ثمرة مشروع فني اشتغل عليه منظمو المهرجان لسنوات، بهدف الجمع بين تقليدين عريقين في الذاكرة الثقافية للمغرب: موسيقى كناوة، بما تحمله من إيقاعات وروحانية، وفن «البيوط»، القائم على الشعر الديني المنشد ضمن التراث اليهودي المغربي.

وتطورت ملامح هذه المبادرة منذ سنة 2022 بدار الصويري، قبل أن تتحول إلى عمل موسيقي متكامل تقوده فرقة «هابيوت»، التي تضم 18 فناناً من أجيال مختلفة، ويجمع أفرادها اهتمام مشترك بصون هذا اللون الشعري والموسيقي ونقله إلى الأجيال الجديدة.

واعتمد العمل على قصائد من ديوان «ياغل يعقوب»، الذي يضم نصوصاً من فن البيوط ألفتها عائلة أبي حصيرة بالمغرب، حيث تفاعلت هذه النصوص مع الألحان والإيقاعات التي قدمها موسيقيو كناوة، في صيغة فنية حافظت على خصوصية كل تقليد، وفتحت في الوقت نفسه آفاقاً جديدة للتعبير الموسيقي.

وتولت هند النعيرة قيادة الجانب الكناوي بصوتها القوي وأدائها المميز، فيما أضفت أناشيد فرقة «هابيوت» بعداً روحياً على العرض، ليقدم الطرفان نموذجاً للتفاعل الخلاق بين مكونات التراث المغربي.

هند النعيرة: تجربة فنية تعزز إمكانات موسيقى كناوة

وعبرت الفنانة هند النعيرة، عقب الحفل، عن سعادتها بالمشاركة للمرة الثانية في مهرجان الأندلسيات الأطلسية، واعتزازها باختتام هذه الدورة بصفتها فنانة تنتمي إلى مدينة الصويرة، التي نجحت على مدى أكثر من عقدين في ترسيخ حضورها ضمن أبرز المواعيد الثقافية الدولية.

وأبرزت أن التعاون مع فرقة «هابيوت» أتاح لها استكشاف إمكانات صوتية وموسيقية جديدة، دون التخلي عن جذورها الفنية، مستحضرة تجارب سابقة في المزج الموسيقي، من بينها تعاونها مع الأوركسترا الأندلسية بأمستردام.

وأكدت أن موسيقى كناوة تمتلك قدرة كبيرة على التفاعل مع أنماط موسيقية مختلفة، وهو ما يمنحها إمكانات متجددة للانتشار والتواصل مع ثقافات متعددة.

من جهتهما، أعرب أبراهام كوهين ويائير هاريل، عضوا فرقة «هابيوت»، عن اعتزازهما بتقديم هذا العمل في الصويرة، التي وصفاها بالعاصمة العالمية لموسيقى كناوة، معتبرين أن هذا التعاون يمثل محطة فنية غير مسبوقة، جاءت بعد عمل موسيقي طويل.

وشددا على أن اللقاء يحمل رسالة تتجاوز حدود الفن، إذ يعبر عن إمكانية التقارب بين الشعوب من خلال الموسيقى، معربين عن أملهما في تقديم هذا العمل على منصات فنية دولية أخرى.

الفلامنكو والموسيقى الأندلسية.. امتداد آخر للتلاقي الثقافي

وشهدت سهرة الاختتام أيضاً حضوراً إسبانياً مميزاً، من خلال عرض للراقصة ومصممة الرقصات أولغا بيريست، التي شاركت لأول مرة في المهرجان، وقدمت عملاً بعنوان «Perspectiva de un baile sonoro»، أعادت فيه قراءة الفلامنكو التقليدي برؤية فنية معاصرة.

كما تقاسمت الفنانة الإسبانية المنصة مع الموسيقي المغربي حميد أجبار، المعروف باهتمامه بصون الموسيقى العربية الأندلسية وتطوير جسور التفاعل بينها وبين الفلامنكو.

وعبرت بيريست عن اعتزازها بالمشاركة في هذه التظاهرة، معتبرة أن تقاسم المنصة مع موسيقيين مغاربة أتاح لها فرصة اكتشاف أبعاد روحية وثقافية مشتركة بين التقاليد الموسيقية المغربية والأندلسية.

أصوات مغربية متنوعة تثري برنامج اليوم الأخير

وبموازاة العروض الكبرى، احتضنت دار الصويري لقاء «مرحبا باللي جا عندنا»، الذي جمع نهيلة القلعي، ممثلة الفن الشعبي الفاسي، وأنس بلهاشمي، ممثل فن الطقطوقة الجبلية، وهشام دينار، في رحلة فنية استحضرت الرصيد الموسيقي لليهود المغاربة.

كما قدم الفنان محمد عبود عرضاً جمع بين الموسيقى الأندلسية والموال وأمداح الزوايا والأغاني الشعبية لشمال المغرب، في لوحة فنية أبرزت تعدد التعبيرات الموسيقية التي تشكل جزءاً من الذاكرة الثقافية للمملكة.

الصويرة.. الموسيقى لغة للتعايش والانفتاح

ونظمت الدورة الحادية والعشرون من مهرجان الأندلسيات الأطلسية بمبادرة من جمعية الصويرة موكادور، تحت شعار «ألف × أليف.. حرفان وحكاية واحدة»، وهو شعار يعكس الرغبة في إبراز الروابط التاريخية والثقافية التي تجمع مكونات المجتمع المغربي، وما أنتجته عبر الزمن من أشكال فنية مشتركة.

ومرة أخرى، أكدت هذه التظاهرة أن الموسيقى ليست مجرد وسيلة للترفيه، بل لغة قادرة على استحضار الذاكرة الجماعية، وتعزيز التواصل بين الثقافات، وإبراز القواسم المشتركة بين التقاليد الفنية المختلفة.

وبفضل هذا التنوع، تواصل الصويرة ترسيخ مكانتها فضاءً دولياً للحوار والإبداع والتبادل الثقافي، مستندة إلى رصيد تاريخي يقوم على الانفتاح والتسامح والتعايش، وهي قيم تمنح مهرجان الأندلسيات الأطلسية خصوصيته ومكانته في المشهد الثقافي المغربي والدولي.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: عفوا !!