![]()
مقال رأي
في زمن يفترض أن يُكرَّس فيه كل الجهد للنهوض بجودة التعليم وحماية المدرسة العمومية، يجد أساتذة مدرسة الخليل بحي المسيرة 2 بمراكش أنفسهم في مواجهة سلوكيات غريبة، لا تليق بحرمة الفصل الدراسي ولا بكرامة المدرس. فأن يُفتح نافذة تطل مباشرة على حجرات الدرس، وأن يُسمح للبعض بالتقاط صور وفيديوهات للأساتذة وهم يمارسون مهامهم، فذلك ليس مجرد فضول عابر، بل انتهاك صارخ للحق في الخصوصية والكرامة الإنسانية.
القضية تتجاوز حدود شكاية إدارية أو خلاف محلي، لأنها تمس بجوهر العملية التعليمية: الثقة. كيف يمكن لمدرس أن يؤدي رسالته في أجواء نفسية سليمة وهو يشعر أنه مراقَب بكاميرا عابرة أو هاتف متطفل؟ وكيف نُقنع الناشئة بأهمية احترام القوانين إذا كنا نسمح بانتهاك أبسط الحقوق أمام أعينهم؟
الدستور المغربي واضح في فصله الرابع والعشرين: لكل شخص الحق في حماية حياته الخاصة. والقانون الجنائي، من خلال الفصل 447، يعاقب كل من التقط أو بث صور أشخاص دون موافقتهم في أماكن تُعد خاصة. كما أن القانون المتعلق بحماية المعطيات الشخصية جاء ليؤكد أن الصورة، مثلها مثل أي معطى شخصي، لا تُستعمل إلا برضا صاحبها.
إن استمرار هذا الوضع يُعرّي مفارقة مؤلمة: في الوقت الذي يُطالب فيه الأساتذة بالانخراط في إصلاح المدرسة وتحمل ضغوط المهنة، يُتركون مكشوفين أمام سلوكات تمس بكرامتهم وتضعف حضورهم التربوي. وما يزيد الأمر خطورة هو أن الصمت على هذه الممارسات قد يفتح الباب لتطبيعها وكأنها أمر عادي.
لذلك، فإن معالجة هذه الإشكالية تتطلب أكثر من مجرد تدخل إداري لإغلاق نافذة أو إيقاف تصوير، بل تقتضي موقفاً واضحاً من السلطات التربوية والحقوقية: حماية الفضاء التعليمي كفضاء خاص، واحترام المدرس باعتباره عماد العملية التربوية، وضمان تطبيق القوانين التي وُجدت أصلاً لصيانة الحقوق.
إن المدرسة ليست مسرحاً للمراقبة العشوائية ولا فضاءً مفتوحاً لكل من أراد العبث بقدسية العلاقة بين الأستاذ وتلامذته. هي مجال للتربية والتكوين، وإذا لم نصن حرمتها، فإننا نرسل رسالة سلبية للجيل المقبل مفادها أن القانون لا يطبق إلا انتقائياً.
الأساتذة لا يطلبون امتيازات خاصة، بل فقط حقهم البديهي في ممارسة عملهم بكرامة، بعيداً عن أعين الهواتف المتطفلة. وهو مطلب لا يجب أن يُنظر إليه كشكوى مهنية ضيقة، بل كصرخة في وجه كل انتهاك يهدد المدرسة المغربية في صميمها.
وفي الأخير نقول “كرامة الأستاذ هي خط أحمر، وحماية حرمة الفصل الدراسي ليست مطلباً فئوياً، بل رهان على مستقبل المدرسة المغربية.”











