أمام أبواب المستشفيات المغربية.. بين الحق في الصحة وواقع الأزمة

بنونة فيصل29 سبتمبر 2025آخر تحديث :
أمام أبواب المستشفيات المغربية.. بين الحق في الصحة وواقع الأزمة

Loading

 

حادثة انتظار فاطمة أمام باب مستشفى القنيطرة قبل أن يوشك جنينها على الولادة في الشارع، ليست سوى صورة مكثفة لأزمة قطاع الصحة العمومي في المغرب. هذه الواقعة تعكس حجم معاناة شريحة واسعة من المواطنين، خاصة الفئات الفقيرة التي لا تجد بديلا عن المستشفيات العمومية، رغم ما تعانيه من اكتظاظ ونقص في الأطر الطبية وانتشار الممارسات غير السليمة.

الأرقام الرسمية تكشف عن واقع مقلق: نحو 15 ألف طبيب في القطاع العام يخدمون أكثر من 36 مليون نسمة، أي بمعدل أربعة أطباء لكل عشرة آلاف مواطن، وهو معدل بعيد عن المعايير الدولية. النتيجة هي لجوء نساء في القرى والمناطق الجبلية إلى الولادة في ظروف قاسية، أحياناً على الطريق أو في مرافق غير مجهزة، بينما تستمر الفجوة بين المدن الكبرى والمناطق المهمشة.

الاحتجاجات الأخيرة في أكادير بعد وفاة ثماني نساء حوامل خلال أقل من شهر، عكست غضبا اجتماعيا متصاعدا. الشعارات التي رفعت مثل “مابغيناش كأس العالم، الصحة أولا” وضعت الدولة أمام مفارقة مؤلمة: استثمارات ضخمة في البنية التحتية استعدادا لمونديال 2030، في مقابل تدهور الخدمات الصحية الأساسية.

هذا التناقض كان محط إشارة ملكية حين تحدث محمد السادس عن “بلاد تسير بسرعتين”؛ تقدم في بعض القطاعات الحيوية، مقابل تأخر واضح في مناطق ريفية وقروية ما زالت تفتقر إلى أبسط شروط الرعاية الصحية.

ورغم اعتماد التغطية الصحية الإجبارية سنة 2021، يرى خبراء أن التطبيق العملي يثقل كاهل الفئات الفقيرة بتكاليف إضافية، في وقت يسيطر فيه القطاع الخاص على جزء كبير من القرار والبنية الصحية. ما يجعل النقاش يتجاوز مجرد التمويل إلى إشكالية الحكامة والخيارات الاستراتيجية.

القطاع الصحي في المغرب يقف إذن أمام معادلة صعبة: بين مطالب شعبية ملحة بحق أساسي في الصحة والكرامة، وبين تحديات مرتبطة بالموارد، والسياسات العمومية، وتأثيرات الإملاءات الدولية. الحلول لن تكون ممكنة إلا عبر إرادة سياسية قوية، واستثمار عادل ومستدام في البنية التحتية والأطر الطبية، بما يضمن أن لا تتكرر مأساة فاطمة وأمثالها.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: عفوا !!