![]()
بقلم: محمد عزاوي
في زمن أصبحت فيه السياسة أكثر تعقيداً، وتداخلت فيه المصالح بالحسابات، والشعارات بالواقع، يجد الشباب نفسه أمام سؤال جوهري: أين الطريق؟ ومن يحمل البوصلة؟
لم تعد ممارسة السياسة اليوم مجرد انتماء إلى حزب أو حضور في اجتماع أو التعبير عن موقف عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بل أصبحت مسؤولية وفكراً وموقفاً وقدرة على الإنصات للمواطن والدفاع عن قضاياه.
وأمام هذا الواقع، يعيش جزء من الشباب حالة من التردد السياسي؛ فهناك من فقد الثقة، ومن اختار الصمت، ومن اكتفى بالتعليق والانتقاد خلف شاشات الهواتف، في حين يقترب آخرون من العمل السياسي بحثاً عن موقع أو مصلحة. وفي المقابل، توجد فئة تؤمن بأن التغيير ممكن، لكنها لا تجد دائماً الطريق مفتوحاً أمامها.
وهنا يطرح السؤال نفسه: هل تكمن المشكلة في السياسة وحدها، أم أن جزءاً من الخلل يوجد أيضاً داخل الشباب نفسه؟
ماذا سأكتب؟ ولمن سأكتب؟ وكيف سأكتب؟
هذه الأسئلة الثلاثة التي ارتبطت بالفكر الوجودي عند جان بول سارتر يمكن إسقاطها، بشكل أو بآخر، على علاقة الشباب بالسياسة.
ماذا سأكتب؟
سأكتب عن واقع أعيشه وأراه؛ عن شباب يريد أن يكون حاضراً لكنه لا يعرف أحياناً من أين يبدأ، وعن أحزاب مطالبة بتجديد نفسها وفتح أبوابها أمام الطاقات والكفاءات الجديدة.
ولمن سأكتب؟
سأكتب للشباب قبل غيره؛ للشاب الذي يشعر أن صوته لا يصل، ولمن يعتقد أن السياسة بعيدة عنه، ولمن يريد المشاركة لكنه يخشى التجربة، ولمن يتحدث كثيراً عن التغيير لكنه لم يخطُ بعد خطوته الأولى.
وكيف سأكتب؟
سأكتب بصراحة، بعيداً عن التطبيل والتخوين، لأن المرحلة تحتاج إلى نقد الذات قبل نقد الآخرين.
الشباب أنواع… والسياسة امتحان
ليس كل من يحمل صفة «شاب» مؤهلاً بالضرورة لممارسة السياسة.
هناك الشاب المثقف الذي يقرأ ويبحث ويناقش ويختلف باحترام، وهناك الشاب الميداني الذي يعيش بين الناس ويعرف مشاكلهم اليومية. وهناك أيضاً الشاب الرقمي الذي يمتلك حضوراً قوياً على مواقع التواصل الاجتماعي، لكنه قد يكتشف عند أول احتكاك بالواقع أن السياسة ليست مجرد منشور أو تعليق.
وهناك الشاب الطموح الذي ينتظر أن يمنحه الآخرون الفرصة دون أن يعمل بما يكفي على تطوير نفسه، كما يوجد الشاب الذي يخشى الفشل، فيفضل البقاء بعيداً ثم ينتقد من أخذ المبادرة.
لكن السياسة، في جوهرها، لا تكافئ المتفرج؛ إنها تحتاج إلى من يشارك ويتحمل المسؤولية.
الملك والشباب… رسالة تتجاوز الخطابات
ظل الملك محمد السادس يؤكد في عدد من خطاباته على أهمية الشباب وضرورة إشراكهم في الحياة العامة والاستثمار في طاقاتهم وكفاءاتهم، باعتبارهم جزءاً أساسياً من مستقبل المغرب.
وهذه الرسائل لا ينبغي أن تبقى مجرد خطابات، بل تتحول إلى مسؤولية مشتركة بين الدولة والمؤسسات والأحزاب من جهة، والشباب من جهة أخرى.
فلا يمكن المطالبة بمنح الشباب الفرصة، ثم عندما تأتي الفرصة لا نجد الكفاءة أو الجاهزية أو القدرة على تحمل المسؤولية.
وفي المقابل، لا يمكن للأحزاب أن تتحدث باستمرار عن تجديد النخب، ثم تجعل الشباب مجرد واجهة انتخابية أو أرقاماً في المناسبات.
الشباب يريد أن يكون شريكاً في القرار، لا مجرد صورة في الملصق الانتخابي.
عندما تضيع البوصلة السياسية
المشكلة ليست في تعدد الأحزاب والتيارات، فالتعدد السياسي يمكن أن يكون ظاهرة صحية عندما يقوم الاختلاف على البرامج والأفكار.
المشكلة تبدأ عندما تضيع البوصلة، ويصبح الانتقال من موقع إلى آخر أمراً عادياً، وتتغير المواقف بتغير الظروف، ويتحول الانتماء السياسي إلى مجرد وسيلة للوصول.
عندما تضيع المبادئ، يصبح الشاب أمام سؤال صعب:
هل أدخل السياسة لأغير الواقع، أم أدخلها لأصبح جزءاً من الواقع نفسه؟
وهنا تظهر أهمية الوعي السياسي، لأن السياسة ليست غاية شخصية، وإنما وسيلة لخدمة المجتمع. ومن يدخلها دون رؤية واضحة قد يتحول، دون أن يشعر، من صاحب مشروع إلى مجرد رقم في معادلة انتخابية.
الخوف… عدو الشباب الحقيقي
ربما لا يكون أكبر عائق أمام الشباب غياب الفرصة فقط، وإنما الخوف من خوض التجربة.
الخوف من الفشل، ومن كلام الناس، ومن المنافسة، ومن أن يقال له: «أنت شاب، ماذا تعرف عن السياسة؟».
لكن كل تجربة سياسية ناجحة بدأت في مرحلة ما من نقطة الصفر.
والشاب الذي ينتظر أن يصبح جاهزاً مئة في المئة قبل أن يدخل الحياة العامة قد ينتظر طويلاً. المهم أن يدخل وهو مستعد للتعلم، وقادر على الاعتراف بأخطائه، ومؤمن بأن التجربة مدرسة.
المعركة السياسية الحقيقية
المعركة السياسية الحقيقية ليست معركة أشخاص ضد أشخاص، ولا أحزاب ضد أحزاب، وإنما هي معركة أفكار وبرامج وثقة ومصداقية.
ومن هنا، يجب على كل شاب أن يسأل نفسه:
ماذا أريد أن أغير؟
ماذا أستطيع أن أقدم؟
هل أملك مشروعاً أم أملك فقط طموحاً شخصياً؟
وإذا لم يستطع الشاب الإجابة عن هذه الأسئلة، فعليه أن يتوقف قليلاً قبل أن يطلب من الآخرين منحه المسؤولية.
فالسياسة ليست مجرد كرسي، والانتخابات ليست مجرد موعد للحصول على الأصوات؛ إنها امتحان أمام المواطن والتاريخ.
من حق الشباب أن يحلم… ومن واجبه أن يستعد
من حق الشباب أن يطالب بالمشاركة، وبالمناصفة في الفرص، وبالحضور داخل المؤسسات، وبفتح المجال أمام الكفاءات الجديدة.
لكن في المقابل، عليه أن يستعد: أن يقرأ، ويتعلم القانون، ويفهم الاقتصاد، ويعرف قضايا مجتمعه، وينزل إلى الميدان، ويستمع إلى المواطن قبل أن يتحدث باسمه.
فالشباب الذي يريد أن يكون جزءاً من المستقبل لا يمكنه أن يعيش دائماً بعقلية الماضي.
استعادة البوصلة
نحن لا نحتاج إلى شباب أكثر غضباً، بل إلى شباب أكثر وعياً.
ولا نحتاج إلى شباب يتحدث كثيراً عن السياسة، بل إلى شباب يفهم السياسة ويمارسها بأخلاق ومسؤولية.
ولا نحتاج إلى شباب ينتظر أن يأتي أحد ليصنع له المستقبل، بل إلى شباب يؤمن بأن المستقبل يُبنى بالمبادرة والعمل.
وفي النهاية، يبقى السؤال الوجودي مفتوحاً:
ماذا سأكتب؟ ولمن سأكتب؟ وكيف سأكتب؟
وربما يكون السؤال الأهم اليوم:
ماذا سأفعل؟ ولأجل من سأفعل؟ وكيف سأتحمل مسؤولية ما سأفعله؟
هنا تبدأ السياسة الحقيقية، وهنا يمكن للشباب أن يستعيد بوصلته.
فالمغرب لا يحتاج فقط إلى شباب في سن الشباب، وإنما يحتاج إلى شباب يحمل روح المسؤولية، ووعي المواطنة، وشجاعة المبادرة، ونظافة اليد، ووضوح الرؤية.
وعندما يجد هذا الشباب طريقه، لن تبقى البوصلة السياسية مبعثرة، بل سيصبح هو نفسه جزءاً من البوصلة التي تقود الوطن نحو المستقبل.











