![]()
انطلقت، مساء السبت بمدينة فاس، فعاليات الدورة الثامنة عشرة لمهرجان فاس للثقافة الصوفية وحكم العالم، تحت شعار «الشعر الصوفي، إكسير الشفاء»، من خلال عرض فني بعنوان «دروب الحب الروحي»، جمع بين الإنشاد الصوفي والموسيقى الأندلسية وإبداعات فنية مستوحاة من ثقافات مختلفة.
وتنظم هذه الدورة تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، بهدف تعزيز مكانة فاس باعتبارها ملتقى للتراث الروحي المغربي وحكم العالم، من خلال برنامج ثقافي وفني يستكشف دور الشعر والجمال في نشر قيم المحبة والسلام والتقارب بين الشعوب.
واحتضن فضاء باب الماكينة الحفل الافتتاحي الذي أحيته المجموعة الفنية والسماعية الحراقية، برئاسة يوسف الحسيني، بمشاركة الفنانة المغربية نبيلة معن والفنان الإسباني فانسان مونوز غيلو.
وقدم الفنانون عرضا موسيقيا مزج بين إنشادات الحضرة العربية الأندلسية والأشعار الصوفية وفن الفلامينكو، في تجربة فنية عكست تنوع التعبيرات الروحية وقدرتها على الالتقاء ضمن لغة موسيقية مشتركة.
فوزي الصقلي: المهرجان رحلة في الذاكرة الروحية لمدينة فاس
أكد رئيس المهرجان، فوزي الصقلي، أن افتتاح هذه الدورة بإبداعات الزاوية الحراقية يحمل دلالة خاصة، بالنظر إلى المكانة التي تحتلها هذه الزاوية ضمن التراث الصوفي المغربي، وما تتميز به من أشعار وإنشادات تعبر عن المحبة الإلهية والوجد والمعاني الروحية العميقة.
وأوضح أن مشاركة الفنانة نبيلة معن أضفت على العرض الافتتاحي بعدا جماليا إضافيا، من خلال المزج بين نصوص شعرية صوفية متنوعة وأساليب موسيقية مختلفة، ما أتاح للجمهور خوض تجربة فنية وروحية غنية.
وأشار إلى أن المهرجان يشكل فرصة لاكتشاف الفضاءات التاريخية لمدينة فاس ودروبها، باعتبارها مدينة ذات إرث صوفي عريق، كانت تعرف في أوساط أهل التصوف باسم «الزاوية».
وأضاف أن هذه التظاهرة تسعى إلى تقريب الجمهور من العمق الثقافي والحضاري والروحي للعاصمة العلمية، عبر أنشطة تجمع بين الموسيقى والفكر والتأمل.
ومن جانبه، أبرز يوسف الحسيني، قائد المجموعة الفنية الحراقية، أن عرض «دروب الحب الروحي» جمع بين المديح والتراث الموسيقي الأصيل وفن الفلامينكو، بمشاركة فنانين من المغرب وإسبانيا.
وأكد أن الهدف من هذا المزج لا يقتصر على الجمع بين ألوان موسيقية مختلفة، بل يتجاوز ذلك إلى إبراز قدرة الفن على تخطي الحدود الثقافية والجغرافية، باعتبار الموسيقى لغة إنسانية مشتركة تعزز المحبة والتعايش والحرية.
عروض موسيقية تجمع تقاليد صوفية من مختلف أنحاء العالم
يتواصل البرنامج الفني للمهرجان يوم الأحد بعرض للمنشد الباكستاني شعيب أفتاب قوال، يقدم خلاله نماذج من الإنشاد الصوفي الباكستاني، مستحضرا أشعار الفيلسوف والشاعر محمد إقبال.
وفي 21 أكتوبر، يقدم الفنان الهندي الأستاذ وصيف الدين داغار عرضا بعنوان «نفَس الأبدية»، يسلط الضوء على فن «دروباد»، أحد أعرق تقاليد الإنشاد الموسيقي في شمال الهند.
أما يوم 23 أكتوبر، فتحتضن حديقة جنان السبيل أمسية روحية بمشاركة داود كوناتي من كوت ديفوار وإنريس قينامي من ألبانيا، قبل تقديم العمل الفني «رحلة من الشرق إلى الغرب» بمشاركة الفنان مروان حاجي.
ويتضمن البرنامج أيضا عملا موسيقيا مشتركا يجمع تريستان درييسنس وفرقة لوثوبيا، بمشاركة الفنانة أريانا سافال في الغناء والعزف على القيثارة، مستلهما الأناشيد الروحية لهيلدغارد فون بينغن.
كما سيكون الجمهور على موعد مع عرض «ابن الخطيب ومدينة الحب»، بمشاركة فرانسواز أطلان وكمال حفيظ، في تجربة تستحضر التفاعل بين التراث الشعري والموسيقي.
وفي 22 أكتوبر، يقدم عرض «باخ والرومي»، بمشاركة ليلى أنوار وكلير أنتونيني، الذي يقيم حوارا فنيا وروحيا بين عالمين مختلفين، من خلال استكشاف أبعاد التجربة الداخلية والبحث عن المعنى.
لقاءات فكرية ومعارض فنية حول الجمال والشفاء
إلى جانب الحفلات الموسيقية، يتضمن مهرجان فاس للثقافة الصوفية وحكم العالم برنامجا فكريا يناقش العلاقة بين الروحانية والشعر والجمال، ودورها في مواجهة التحديات الإنسانية المعاصرة.
وتتناول الموائد المستديرة مجموعة من الموضوعات، من بينها «هل يمكن للجمال أن ينقذ العالم؟»، و«الرومي: بحث عن الشفاء»، و«المحنة المتحولة في النصوص المقدسة الكبرى»، إضافة إلى «الشعر والشفاء، المسار العلاجي لسامي-علي».
وتهدف هذه اللقاءات إلى فتح نقاش بين المفكرين والفنانين والباحثين حول قدرة الإبداع الفني والتجارب الروحية على تعزيز التوازن النفسي والإنساني، وإعادة الاعتبار لقيم الحكمة والتأمل.
كما يشمل البرنامج معارض فنية لكل من أوديل غينان وماري بورشو، إلى جانب عرض فيلم «بناة الحمراء» للمخرجة إيزابيل فرنانديز، الذي يضيف بعدا سينمائيا إلى الأنشطة الثقافية للمهرجان.
اختتام مرتقب بأمسية «نشوات»
من المنتظر أن تختتم فعاليات الدورة الثامنة عشرة، مساء 24 أكتوبر، بأمسية فنية تحمل عنوان «نشوات»، تجمع بين السماع العربي الأندلسي ودراويش حلب، بمشاركة وسيم أرسلان وأنس العطار ونور الدين الطاهري.
وسيكون هذا الحفل الختامي مناسبة للاحتفاء بالتنوع الموسيقي والروحي الذي يميز المهرجان، من خلال تقديم تجربة تجمع بين التقاليد الصوفية المغربية والمشرقية.
وتتوزع أنشطة هذه الدورة على عدد من الفضاءات التاريخية والثقافية بمدينة فاس، من باب الماكينة إلى حدائق جنان السبيل، مرورا بسوق السمارين وغيرها من المواقع التي تعكس غنى التراث الحضاري للمدينة.
ومن خلال هذه البرمجة المتنوعة، يواصل مهرجان فاس للثقافة الصوفية وحكم العالم تعزيز حضوره كموعد ثقافي دولي يجمع بين الفن والفكر والروحانية، ويسعى إلى جعل الشعر والموسيقى والجمال جسورا للتواصل الإنساني والتفاهم بين الثقافات.











