![]()
طانطان – 04 نوفمبر 2026
لم تعد حماية الثقافة الحسانية تقتصر على صون مظاهرها التراثية ونقلها بين الأجيال، بل باتت تطرح رهانات أوسع ترتبط بالتوثيق العلمي والرقمنة، واستثمار مؤهلاتها في تنشيط السياحة وخلق فرص اقتصادية لفائدة الساكنة المحلية. وهي أبرز القضايا التي ناقشها باحثون وأكاديميون خلال ندوة احتضنها المركز الثقافي بمدينة طانطان، اليوم الثلاثاء، ضمن فعاليات الدورة التاسعة عشرة لموسم طانطان.
وشكل موضوع «الثقافة الحسانية: مباحث ومقاربات» محور هذا اللقاء، الذي شهد تقديم كتاب جماعي يحمل العنوان نفسه، أصدرته مؤسسة «ألموكار»، ليجمع بين دفتيه حصيلة الأبحاث والمداخلات العلمية التي عرفتها الندوات الثقافية للموسم خلال دورتي 2023 و2024، في مبادرة تروم توثيق الموروث الحساني وحمايته من مخاطر الاندثار.
من الذاكرة الشفوية إلى التوثيق والرقمنة
وأكد الباحث المتخصص في التراث الحساني، بوزيد الغلى، أن الكتاب يقدم مقاربات علمية متعددة لصيانة هذا الموروث وتثمينه، من بينها الدعوة إلى إعداد معجم حساني جغرافي يحفظ المصطلحات والتعابير التراثية، وإنشاء قاعدة معرفية توثق ذاكرة المجتمع الحساني وتضمن استمرارية نقلها.
كما يتناول المؤلف الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية لتعاونيات النسيج التقليدي، إلى جانب قضايا الهوية الحسانية وعلاقتها بالمجال الجغرافي واللغة، بما يبرز الترابط بين الثقافة والإنسان والمكان.
واعتبر الغلى أن موسم طانطان أسهم في التعريف بالثقافة الحسانية خارج نطاقها المحلي، وإبراز امتداداتها التاريخية والحضارية العابرة للصحراء الكبرى، مشددا على ضرورة الانتقال من الاعتماد على الرواية الشفوية وحدها إلى التوثيق العلمي، ثم توظيف الوسائل الرقمية لحفظ هذا الرصيد وإتاحته للأجيال المقبلة.
الثقافة الحسانية.. امتداد حضاري يربط المغرب بعمقه الإفريقي
من جهته، أبرز الكاتب والباحث في التاريخ والتراث الصحراوي، أحمد البشير ضماني، أن الكتاب يوثق مساهمات باحثين من المغرب وموريتانيا وعدد من البلدان الإفريقية في دراسة التراث الحساني وإبراز سبل حمايته، كما يسلط الضوء على الدور الذي يضطلع به موسم طانطان في التعريف بهذا الموروث.
وأوضح أن الصحراء شكلت عبر التاريخ فضاء للتواصل والتبادل بين شمال المملكة وبلدان إفريقيا، بفضل القوافل التجارية التي لم تكن تقتصر على نقل السلع، بل ساهمت أيضا في انتقال الأفكار والمعتقدات والطرق الصوفية، وهو ما أفرز تفاعلات حضارية انعكست في مظاهر التراث الحساني، من الموسيقى والحلي إلى أدوات الترحال وأنماط العيش.
ويضم الكتاب ثماني مداخلات باللغة العربية لباحثين من المغرب وموريتانيا، وثلاث مداخلات باللغة الفرنسية لباحثين من بوركينا فاسو ومالي والنيجر، تناولت بالخصوص واقع تنفيذ اتفاقية منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة لسنة 2003 بشأن حماية التراث الثقافي غير المادي.
ويمنح هذا التنوع الجغرافي والعلمي للمؤلف بعدا إفريقيا ومقارنة دولية، من خلال تبادل التجارب بشأن توثيق التراث اللامادي وحمايته، وتوسيع النقاش حول سبل الحفاظ عليه في مختلف البيئات الثقافية.
من التراث إلى الاقتصاد.. السياحة التجريبية فرصة جديدة
وفي مقاربة تتجاوز الجانب التوثيقي، شددت الأستاذة الجامعية والباحثة في التراث، عزيزة عكيدة، على أهمية الانتقال من التعامل مع الثقافة الحسانية باعتبارها مادة للعرض الفلكلوري فقط، إلى إدماجها في مسارات التنمية وجعلها مصدرا لخلق الدخل وفرص الشغل.
ودعت إلى الاستفادة من التجارب الدولية التي نجحت في تحويل التراث إلى مورد اقتصادي من خلال ما يعرف باقتصاد التراث، مقترحة تطوير السياحة القائمة على التجربة والمشاركة، حتى يصبح الزائر جزءا من تفاصيل الحياة الصحراوية، بدلا من الاكتفاء بمشاهدة المعالم والأنشطة التقليدية.
ومن بين التجارب التي يمكن تطويرها في هذا الإطار، مشاركة السياح في إعداد الشاي الحساني، والإقامة داخل الخيام التقليدية، وحضور جلسات الحكاية والسمر، بما يتيح لهم التعرف عن قرب على خصوصية الثقافة المحلية، ويمنح الأسر والحرفيين والفاعلين السياحيين فرصا للاستفادة المباشرة من هذا النشاط.
كما دعت إلى تثمين الأزياء الحسانية، وفي مقدمتها الملحفة والدراعة، من خلال تطوير تصاميم تستجيب لمتطلبات الأسواق الوطنية والدولية، مع الحفاظ على خصائصها الأصيلة وهويتها الثقافية، على غرار التجربة التي حققها القفطان المغربي.
توصيات لإدماج التراث في التنمية المحلية
وفي ختام الندوة، دعا المشاركون إلى إدماج التراث الحساني ضمن المخططات التنموية المحلية، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات العمومية والمجالس المنتخبة وجمعيات المجتمع المدني، من أجل مواصلة جهود البحث والتوثيق الأكاديمي.
كما أكدوا ضرورة تحويل الرصيد الثقافي للمنطقة إلى فرص مستدامة للاستثمار السياحي والاقتصادي، بما يضمن حماية الموروث من الاندثار، ويتيح للساكنة المحلية الاستفادة من مؤهلاته.
وتبرز هذه النقاشات أن الثقافة الحسانية ليست مجرد ذاكرة تستحضر الماضي، بل رصيد حضاري حي يمكن أن يساهم في بناء المستقبل، متى جرى الجمع بين حمايته علميا، وتطوير طرق التعريف به، وربطه بمشاريع تنموية تعود بالنفع على الأجيال الحالية والمقبلة.











