![]()
المجلد العشرون من «الحوارات الاستراتيجية» يرصد هشاشة البنيات التحتية الحيوية وتنافس القوى الدولية.. و14 خبيراً يناقشون تحولات موازين القوى بين إفريقيا وأوروبا
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، وتزايد التنافس حول الموارد الاستراتيجية وشبكات الاتصال والممرات البحرية، احتضنت جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية بالرباط، يوم الأربعاء، تقديم المجلد العشرين من منشور «الحوارات الاستراتيجية»، الذي يسلط الضوء على أبرز التحديات الجيوسياسية والأمنية المعاصرة، ويبحث في سبل تعزيز التعاون بين إفريقيا وأوروبا.
ويأتي هذا الإصدار ثمرة تعاون بين مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد ومركز «إتش إي سي» للجيوسياسة، مستنداً إلى مساهمات خبراء وباحثين شاركوا في الدورة السابقة من الحوارات الاستراتيجية، بهدف تقديم قراءات تحليلية للتحولات الدولية ومصادر الهشاشة التي تواجه الدول في عالم يتسم بتزايد الترابط والتنافس.
البنيات التحتية والموارد الاستراتيجية في قلب التنافس الدولي
يتناول الجزء الأول من المؤلف التحديات المرتبطة بحماية البنيات التحتية الحيوية والموارد الاستراتيجية، التي أصبحت عنصراً أساسياً في استقرار الاقتصادات الحديثة وضمان استمرارية الخدمات وشبكات الاتصال.
ويركز الباحثون على المخاطر التي تهدد سلاسل الإمداد، وانعكاساتها على السيادة الاقتصادية، مع اهتمام خاص بالكابلات البحرية التي تنقل جزءاً أساسياً من الاتصالات الرقمية العالمية، والمعادن الحيوية التي تزداد أهميتها مع تسارع التحول الطاقي.
وتكشف هذه القضايا عن تحول متزايد في طبيعة التحديات الأمنية، إذ لم تعد المخاطر مرتبطة بالمجالات العسكرية وحدها، بل امتدت إلى الشبكات الرقمية والبنيات التحتية وطرق نقل المواد الأولية، ما يجعل حماية هذه المنظومات جزءاً من حسابات الأمن الاقتصادي والاستراتيجي للدول.
كما يناقش الإصدار الفرص المتاحة أمام البلدان الإفريقية لتعزيز موقعها في سلاسل القيمة العالمية، من خلال تطوير قدراتها على تحويل مواردها محلياً، بدلاً من الاقتصار على تصدير المواد الخام، بما قد يتيح فرصاً أوسع لخلق القيمة المضافة وتطوير الصناعات الوطنية.
البحر الأبيض المتوسط.. فضاء للتعاون وميدان للتنافس
يخصص الجزء الثاني من المؤلف حيزاً مهماً للتحولات التي يعرفها الفضاء المتوسطي، باعتباره منطقة تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية والأمنية والطاقية، وتتداخل فيها علاقات التعاون مع المنافسة الإقليمية والدولية.
ويتناول هذا المحور التفاوتات بين ضفتي المتوسط، والتحديات المرتبطة بالتعاون الأمني والخلافات البحرية والطاقية، فضلاً عن أساليب توسيع النفوذ التي تعتمدها القوى الدولية في المنطقة.
وفي هذا السياق، أكد الباحث البارز بمركز السياسات من أجل الجنوب الجديد، عبد الحق باسو، أن النزاعات المعاصرة أظهرت مدى هشاشة البنيات التحتية الحيوية، بما فيها المطارات والموانئ والممرات المائية وشبكات الاتصال البحرية.
وأوضح أن اضطراب هذه المنظومات قد يتجاوز تأثيره مناطق النزاع، ليطال الاقتصاد العالمي ويؤثر في قدرة الدول على تأمين احتياجاتها من المواد الأولية والاتصالات وتدفقات البيانات.
وبخصوص موقع المتوسط في التوازنات الدولية، شدد باسو على أن المنطقة لا تفقد أهميتها الاستراتيجية رغم التحولات التي تشهدها موازين القوى العالمية، بالنظر إلى دورها في الربط بين المحيط الأطلسي والأمريكيتين عبر مضيق جبل طارق، وآسيا والمحيط الهندي عبر قناة السويس والبحر الأحمر.
حوار أوروبي إفريقي لمواجهة تحديات عالم متغير
من جانبه، أبرز مدير مركز «إتش إي سي» للجيوسياسة، باسكال شينيو، أهمية هذا الإصدار في جمع تحليلات متخصصة حول قضايا استراتيجية مشتركة، تكتسي أهمية خاصة بالنسبة إلى إفريقيا وأوروبا، ولا سيما في ما يتعلق بمستقبل التعاون في منطقة المتوسط.
وأشار إلى أن البحر الأبيض المتوسط يجمع بين فرص التعاون ومظاهر التنافس الإقليمي والدولي، ما يجعل فهم التحولات التي يشهدها ضرورياً لتحديد مجالات التقارب وإمكانات العمل المشترك.
كما نوه بالشراكة التي تجمع مؤسسته بجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، من خلال مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد، معتبراً أن صدور المجلد العشرين يمثل محطة في مسار تعاون متواصل انطلق قبل عشر سنوات.
ويؤكد هذا المسار أهمية الحوار بين الخبراء والمؤسسات البحثية في تطوير فهم مشترك للتحديات، وتقديم خلاصات يمكن الاستفادة منها في صياغة السياسات العامة وتعزيز التنسيق بين الفاعلين الإقليميين.
14 مساهمة لتحليل موازين القوى ومصادر الهشاشة
وأوضح الخبير في العلاقات الدولية بمركز السياسات من أجل الجنوب الجديد ومسير اللقاء، أسامة الطيبي، أن المجلد الجديد يجمع 14 مساهمة لمتخصصين من ضفتي المتوسط، تقدم أدوات تحليل لفهم تطور موازين القوى ومصادر الهشاشة التي تواجه الدول.
وأضاف أن هذه الأعمال تتيح تعميق النقاش حول شروط تعزيز قدرة الفاعلين الإقليميين على الصمود في ظل عالم يتجه نحو مزيد من التجزؤ والتنافس.
وتنظم المؤسستان، منذ سنة 2016، دورتين من «الحوارات الاستراتيجية» كل عام، إحداهما بالرباط والأخرى بباريس، بمشاركة خبراء مراكز التفكير والباحثين والأكاديميين والفاعلين وصناع القرار في القطاع العام.
وتقوم المبادرة على تبادل الرؤى بين تخصصات مختلفة، ثم تجميع أبرز الأفكار والاستنتاجات في منشورات مشتركة وأوراق موجهة لدعم النقاش حول السياسات العامة.
المعرفة الاستراتيجية مدخل لتعزيز قدرة الدول على الصمود
يعكس المجلد العشرون من «الحوارات الاستراتيجية» أهمية البحث والتحليل في فهم التحولات الدولية، خصوصاً في ظل تزايد الترابط بين الأمن والاقتصاد والتكنولوجيا والموارد الطبيعية.
كما يبرز أن مواجهة التحديات الراهنة تتطلب تعاوناً يتجاوز الحدود الجغرافية، وتنسيقاً أكبر في حماية البنيات التحتية الحيوية، وتعزيز أمن سلاسل الإمداد، وتطوير شراكات أكثر توازناً بين الدول الإفريقية والأوروبية.
جريدة لقاء تواكب هذه المبادرات الفكرية التي تسهم في توسيع النقاش حول مستقبل العلاقات الدولية، وتؤكد أن فهم التحولات الاستراتيجية يشكل خطوة أساسية لبناء تعاون أكثر فاعلية، وتعزيز قدرة الدول على حماية مصالحها ومواجهة التحديات المشتركة.











